تتجاوز تداعيات الحرب الدائرة في السودان حدود الميدان العسكري لتضرب عمق الاقتصاد الحيوي للبلاد، مهددة سلعاً استراتيجية تدخل في تفاصيل الحياة اليومية للملايين حول العالم. وفي مشهد يختصر حجم المأساة، تعرضت مخازن بورصة الصمغ العربي في مدينة النهود بولاية غرب كردفان لعمليات نهب واسعة عقب سيطرة “قوات الدعم السريع” عليها، لتتحول إحدى أكبر منصات تجارة الصمغ في البلاد إلى ساحة لنهب الموارد، معلنة رسمياً دخول هذه السلعة التاريخية في آتون “اقتصاد الحرب”.

لم تكن هذه الحادثة مجرد خسارة تجارية عابرة، بل جاءت لتجسد التحول الخطر في مسار أحد أهم الموارد التصديرية للسودان منذ اندلاع الصراع في 15 أبريل/نيسان 2023؛ حيث تحول الصمغ العربي من مصدر رئيس للدخل القومي والعملة الأجنبية إلى مورد تستغله شبكات مسلحة عبر فرض الإتاوات، والسيطرة على طرق النقل، والتهريب عبر الحدود لمواصلة تمويل العمليات العسكرية.

شريان حيوي للصناعات العالمية: من الكولا إلى مستحضرات التجميل

لا تتوقف أزمة اضطراب إمدادات الصمغ العربي عند حدود الحدود السودانية، بل تمتد لتلقي بظلالها على شبكات التصنيع عبر القارات. فالصمغ العربي، المعروف في الصناعات الغذائية بالرمز (E414)، يمثل مكوناً أساسياً لا غنى عنه بحسب تصنيف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (“الفاو”).

وتكمن أهمية الصمغ الفريدة في قدرته على الجمع بين الذوبان العالي في الماء، والثبات الكيميائي، وانخفاض التكلفة؛ مما يجعله يدخل في مئات الصناعات الشائعة، ومنها:

  • المشروبات الغازية: يعمل كمستحلب ومثبت للنكهات (مثل صناعة الكولا).
  • القطاع الغذائي: يُستخدم في صناعة الحلويات، ومنتجات الألبان، والمخبوزات.
  • الصناعات الدوائية: يدخل في تحضير الأدوية والكبسولات والمستحضرات الطبية.
  • مستحضرات التجميل: يمنح القوام والتماسك للكريمات ومواد التجميل.
  • صناعات أخرى: كالأحبار، ومواد الطباعة، واللافتات اللاصقة.

وفي هذا السياق، تؤكد الخبيرة في الشؤون السياسية والأفريقية أسماء الحسيني، أن أي اضطراب طويل الأمد في إنتاج الصمغ يمثل أزمة عالمية حقيقية، نظراً لصعوبة إيجاد بديل صناعي أو طبيعي يؤدي الوظائف ذاتها بالكفاءة والسعر نفسهما، مما يرفع تكاليف الإنتاج ويضع سلاسل الإمداد الدولية أمام مخاطر غير مسبوقة.

تراجع حاد في الإنتاج وتمدد مسارات التهريب

قبل نشوب الحرب، كان السودان يسيطر على ما بين 70% إلى 80% من الصادرات العالمية للصمغ العربي الخام، بعائدات سنوية تراوحت بين 111 و183 مليون دولار، وفقاً لتقارير المفوضية السامية لحقوق الإنسان. غير أن الخريطة الإنتاجية تغيرت دراماتيكياً مع تحول الحزام الممتد عبر كردفان ودارفور والنيل الأزرق إلى معارك مفتوحة.

وثق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان تراجعاً حاداً في حجم الإنتاج السنوي للصمغ العربي، حيث انخفض من نحو 150 ألف طن إلى 60 ألف طن فقط. وأدى هذا الانهيار إلى خسارة إيرادات تُقدر بـ 198 مليون دولار سنوياً، فضلاً عن تعرض ما لا يقل عن 3,700 طن للنهب المباشر في النصف الأول من عام 2024 بقيمة بلغت 14.58 مليون دولار.

ونتيجة لانقطاع طرق الإمداد الرسمية نحو ميناء بورتسودان، انتعشت مسارات التهريب غير الرسمية عبر حدود دول الجوار، حيث يُعاد تصدير المحصول ونسبه إلى بلد العبور، مما يجعل التثبت من المنشأ الأصلي وعائدات البيع أمراً في غاية الصعوبة، ويغذي الشبكات المسلحة بعيداً عن رقابة الدولة.

المزارع السوداني بين الانتهاكات الأمنيّة والتصحر البيئي

خلف الأرقام والمكاسب التجارية، يقبع المزارع والتاجر السوداني في خط المواجهة الأول. فقد تحول جمع الصمغ العربي من نشاط كسب عيش موسمي إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. وتؤكد التقارير الأممية تعرض العاملين في القطاع للاحتجاز التعسفي، والابتزاز، والنهب على أيدي الجماعات المسلحة.

تهديد بيئي يفاقم ظاهرة التصحر

لا تتوقف الخسائر عند الجانب الإنساني والاقتصادي، بل تمتد لتضرب التوازن البيئي في المنطقة. تشكل أشجار “الهشاب” (إحدى أنواع الأكاسيا) خط الدفاع الطبيعي الأول لمواجهة التغير المناخي في نطاق الساحل الأفريقي.

وتوضح الحسيني أن إهمال أو تدمير هذه الغابات يتسبب في:

  • تدهور خصوبة الأراضي الزراعية.
  • زحف الرمال وزيادة معدلات التصحر.
  • فقدان التنوع البيولوجي وتعرية التربة.

وقد أكد رئيس اتحاد مزارعي الصمغ العربي في السودان أن العمليات العسكرية ألحقت أضراراً بالغة بالغابات الإنتاجية وبورصات التداول، مما أدى إلى توقف الزراعة والرعي في مساحات شاسعة من كردفان ودارفور.

مسؤولية الشركات الدولية: الالتزام بالعناية الواجبة والتتبع الرقمي

أمام هذا الواقع، لم تعد المشكلة بالنسبة للشركات العالمية تقتصر على توفر الخام فحسب، بل في الأخلاقيات المرتبطة بسلسلة الإمداد ومخاوف التمويل الضمني للنزاع وانتهاكات حقوق الإنسان.

وفي هذا الصدد، تشير سالي عاطف، خبيرة الشؤون الأفريقية ورئيسة مجلس إدارة “زوم أفريكا نيوز”، إلى أن ملف الصمغ العربي تحول من قضية تجارية إلى ملف جيوسياسي وأمني يتطلب تدخلاً متكاملاً من الحكومات والشركات الدولية.

وتشدد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أهمية تطبيق مبدأ “العناية الواجبة بحقوق الإنسان” (Human Rights Due Diligence) من قبل الشركات المستوردة. وتوضح عاطف أن تفعيل هذه المبادئ يحتاج إلى خطوات عملية، أبرزها:

  1. الاستثمار في تقنيات التتبع الرقمي لتوثيق مسار المنتج من المزرعة حتى المصدّر النهائي.
  2. إنشاء قواعد بيانات شجاعة وغير قابلة للتلاعب لضمان شفافية منشأ المحصول.
  3. الاستعانة بجهات فحص وتحقق مستقلة ميدانياً للتأكد من عدم شراء صمغ مرتبط بانتهاكات أمنية.

ختاماً، يبقى الصمغ العربي نموذجاً صارخاً لكيفية تحول الموارد الطبيعية الثمينة في أوقات النزاعات المسلحة من نقمة على المجتمعات المحلية ومحرك لاقتصاد الحرب، ما لم تتحرك الأطراف الدولية لإرساء آليات شفافية صارمة تحمي المزارع السوداني وتصون بيئته واستقراره.

By newpal

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *