في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً عميقاً في السياسات الاقتصادية والعمرانية، قررت مصر رفع القيود التاريخية المفروضة على تملك الأجانب للعقارات داخل أراضيها. تأتي هذه الخطوة في إطار موجهة حكومية شاملة لإنعاش ما بات يُعرف بـ “تصدير العقار” لزيادة التدفقات المباشرة من النقد الأجنبي، إلا أنها تفتح في الوقت ذاته باباً واسعاً للنقاش والتخوفات بشأن تداعيات توسع الملكية الأجنبية في البلاد.
تحول تشريعي لإلغاء قيود العقود الماضية
تضمن التوجه الحكومي الجديد إلغاء الحدود القصوى لعدد العقارات التي يحق للأجانب تملكها، بعدما كان قانون عام 1996 يحظر تملك غير المصريين لأكثر من عقارين في مدينتين مختلفين ولأغراض السكن فقط، وبمساحة لا تتجاوز 4 آلاف متر مربع لكل منهما. ووفقاً للضوابط الجديدة، أُتيح للتملك الأجنبي الانطلاق دون سقف عددي، شريطة أن يتم سداد كامل القيمة بالعملات الأجنبية الصعبة.
وفي هذا السياق، أكد مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، أن هذا التوجه يهدف بشكل رئيسي إلى تنويع مصادر الدخل القومي، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوفير السيولة الدولارية في وقت تسعى فيه الدولة إلى تعظيم عوائد قطاعاتها الحيوية.
ملايين الوحدات الشاغرة والتوسع العمراني
تستهدف القوانين الجديدة معالجة إشكالية الملايين من الوحدات السكنية المغلقة وغير المستغلة؛ حيث تشير البيانات الرسمية نقلاً عن د. عبد الخالق إبراهيم، مساعد وزير الإسكان للشئون الفنية، إلى وجود نحو 13 مليون وحدة سكنية غير مستغلة تتوزع بين الحضر والريف.
وترافقت هذه الأرقام مع طفرة عمرانية غير مسبوقة شهدتها البلاد خلال العقد الأخير. فبعد عقود من التكدس على نحو 7% فقط من المساحة الكلية لمصر، ارتفعت الرقعة المأهولة بالسكان إلى 13.7% بفضل التوسع في مدن الجيل الرابع والمدن الجديدة، وفق تصريحات عاصم الجزار، وزير الإسكان السابق. وضخت الدولة ما يقارب 1.3 تريليون جنيه لتطوير المدن وإعادة توزيع الخريطة الديموغرافية خارج نطاق وادي النيل والدلتا.
السير على خطى النماذج الإقليمية
تسعى القاهرة من خلال إطلاق منصة إلكترونية لتيسير تملك الأجانب إلى استنساب تجارب إقليمية ناجحة مثل تركيا واليونان، اللتين تمكنتا من استقطاب استثمارات ضخمة عبر ربط شراء العقارات ببرامج الإقامة والجنسية، مستفيدتين من تنافسية الأسعار والموقع الجغرافي المميز.
ويرى خبير الاقتصاد د. خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن هذه التدفقات تُعد شرياناً حيوياً للاقتصاد المصري، موضحاً أن “الاستثمارات الأجنبية تجعل البلاد أكثر قدرة مالية على الوفاء بالتزاماتها الدولية وخدمة الدين، كما تسهم في خلق فرص عمل للشباب، وتحسين التصنيف الائتماني وتعزيز الثقة في مناخ الاستثمار المحلي”.
مخاوف الفقاعة العقارية وانفصال عن الواقع السكاني
على الجانب الآخر، يأتي هذا التحول الحكومي بالتوازي مع صفقات كبرى لبيع وتطوير أصول وأراضٍ استراتيجية—مثل مشروع رأس الحكمة على البحر المتوسط—لتأمين السيولة اللازمة لتمويل استيراد السلع الأساسية وتلبية متطلبات برنامج صندوق النقد الدولي.
لكن يرى اقتصاديون مستقلون أن التحرك نحو المشترين الأجانب يعد محاولة لتفادي انكماش أو انفجار “فقاعة عقارية” محتملة. فالسوق المحلي يعاني من حالة ركود بسبب الارتفاع القياسي في الأسعار مقارنة بالقوة الشرائية للمواطنين، وهو ما يراه المطورون العقاريون مجرد تصحيح للأسعار وتحديات عابرة.
وفي هذا السياق، يشير خبير العقارات المستقل خالد الأسواني إلى أن الطفرة العمرانية الكبيرة لم تراعِ القدرات المالية للغالبية العظمى من المصريين، موضحاً أن الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في مدن جديدة كالعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة ركزت بشكل أساسي على فئات دخل مرتفعة وخلق فرص استثمارية لأصحاب رؤوس الأموال، بينما ظل السواد الأعظم من المواطنين يعانون من اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار السائدة في السوق.