قد يبدو احتساء كوب من الشاي الساخن في يوم صيفي خانق تصرفاً ينافي المنطق والبديهة؛ فالجسم يبذل قصارى جهده للتخلص من الحرارة الزائدة، في حين يضيف إليه هذا المشروب جرعة إضافية من الدفء. ورغم غرابة هذه الممارسة الشائعة في العديد من الثقافات حول العالم، إلا أن الأبحاث العلمية تؤكد أنها تستند إلى مفارقة فسيولوجية حقيقية، قادرة بالفعل على خفض حرارة الجسم الداخلية، ولكن وفق شروط مناخية محددة للغاية.
كيف تعمل آلية التبريد عبر المشروبات الساخنة؟
تعتمد الإجابة عن التساؤل المثير للجدل حول جدوى المشروبات الساخنة صيفاً على ثلاثة عناصر محورية: درجة حرارة المشروب، وقدرة الجسم الفردية على إفراز العرق، وطبيعة البيئة المحيطة من حيث الرطوبة وحركة الهواء.
فعندما يتناول الإنسان سائلاً ساخناً، تسجل المستقبلات الحرارية في الفم والجهاز الهضمي ارتفاعاً طفيفاً في درجة الحرارة المركزية. وعلى الفور، يرسل الدماغ إشارات عصبية تحفز الغدد العرقية على مضاعفة نشاطها بصورة تفوق الحرارة التي اكتسبها الجسم من المشروب. والمفارقة هنا تكمن في أن قطرات العرق بحد ذاتها لا تبرد الجسم، بل تكمن المعجزة في عملية تبخر العرق عن سطح الجلد؛ إذ يسحب التبخر كميات هائلة من الطاقة الحرارية الكامنة، ما يؤدي في المحصلة إلى تبريد فعلي وملموس.
متى تؤتي هذه الحيلة العلمية ثمارها؟
يوضح جون تريغونينغ، أستاذ علم المناعة في جامعة إمبريال كوليدج لندن، في تصريحات نقلتها صحيفة “الغارديان”، أن تناول السوائل الساخنة ينتج عنه مساران متعاكسان: فهو يضيف كمية محدودة من الحرارة داخلياً، لكنه في الوقت ذاته ينشط نظام التبريد الذاتي عبر التعرق. ولذا، يتفوق تأثير التبريد الناتج عن التبخر على حرارة المشروب في ظروف بعينها.
وتتحقق هذه النتيجة الإيجابية في البيئات الجافة والمناطق المفتوحة التي تتسم بنسمات هواء نشطة. فعلى سبيل المثال، إذا تناولت شاياً ساخناً في نزهة خلوية جافة، يساعد الهواء على تسريع تبخر العرق فور خروجه، مما يقلل مخزون الحرارة الداخلي مقارنة بما قبل تناول المشروب. وتدعم هذه النتيجة دراسة علمية نُشرت في دورية Acta Physiologica المتخصصة، حيث أثبتت أن تناول سوائل ساخنة في أثناء ممارسة النشاط البدني ساهم في خفض الحمل الحراري للجسم بشرط السماح للعرق بالتبخر الكامل.
الرطوبة المرتفعة تقلب الموازين
على النقيض تماماً، تفشل هذه الإستراتيجية كلياً في الأجواء الرطبة أو الغرف المغلقة سيئة التهوية؛ فالرطوبة العالية تعني أن الهواء مشبع بالفعل ببخار الماء ولا يمتلك القدرة على امتصاص المزيد من الرطوبة الصادرة عن الجلد. وفي هذه الحالة، يفرز الجسم مزيداً من العرق، لكنه يتراكم ويسيل دون جدوى، فتخسر الآلية قدرتها التبريدية وتبقى الحرارة التي أضافها المشروب محتبسة، ليشعر الفرد بضيق وانزعاج مضاعف.
كما تلعب نوعية الملابس دوراً حاسماً؛ فالأقمشة الثقيلة أو المصنوعة من ألياف صناعية غير منفذة للهواء تحبس العرق وتمنع تبخره، ما يلغي أي ميزة للتبريد حتى في الأيام الجافة.
أيهما تفضل: مشروب مثلج أم ساخن؟
يمنح الماء البارد أو المشروبات المثلجة انتعاشاً فورياً وتأثيراً نفسياً ملحوظاً، حيث تمتص السوائل الباردة قدراً من الحرارة أثناء تدفقها داخل الجسم. ومع ذلك، يظل التأثير الفيزيائي المباشر لدرجة حرارة السائل محدوداً مقارنة بالدور الهائل لمنظومة التعرق الطبيعية.
القاعدة الذهبية: الترطيب أولاً
يؤكد الخبراء أنه لا توجد وصفة واحدة تناسب كافة السيناريوهات: فالمشروب الساخن حليف ممتاز في الأجواء الجافة جيدة التهوية، بينما تظل المشروبات الباردة الخيار الأكثر راحة وأماناً في الأجواء الرطبة والحارة. وتبقى النصيحة الأهم لمواجهة موجات الحر هي الحرص المستمر على تزويد الجسم بالسوائل الكافية لمنع الجفاف، تاركين حرارة المشروب لما يناسب حالة الطقس وتفضيل الراحة الشخصية.
