
في خطوة قد تمثل تحولاً استراتيجياً غير مسبوق في العلاقات الأوروبية الإسرائيلية، كشفت وسائل إعلام عبرية عن تحركات جادة داخل عدة دول أوروبية لسن قوانين جنائية صارمة تستهدف كل من يتعامل تجارياً مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين.
وذكرت “قناة كان” الرسمية الإسرائيلية أن هذه التشريعات المقترحة لا تقتصر على فرض غرامات مالية أو وسم منتجات المستوطنات فحسب، بل تمتد لتشمل عقوبات سالبة للحرية قد تصل إلى السجن لمدة 10 سنوات للأفراد والشركات التي يثبت تورطها في أنشطة تجارية أو استثمارية داخل هذه المستوطنات غير الشرعية بموجب القانون الدولي.
تفاصيل التشريع الأوروبي المرتقب وعقوباته
وفقاً للتقرير الإسرائيلي، فإن مسودة القوانين التي يجري مناقشتها في أروقة برلمانات عدة دول أوروبية تسعى إلى تجريم الاستيراد والتصدير المباشر وغير المباشر من وإلى المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وتأتي هذه العقوبات المغلظة، التي تبدأ من الغرامات الباهظة وتصل إلى السجن الفعلي لعشر سنوات، كأداة ردع قانونية قوية لمنع الشركات الأوروبية من المساهمة في استدامة الاحتلال وتغذية اقتصاده.
وتشير المصادر القانونية إلى أن هذا التحرك يعكس ضيق ذرع العواصم الأوروبية بالسياسات الاستيطانية المتسارعة لحكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، وفشل الجهود الدبلوماسية التقليدية في كبح جماح التوسع الاستيطاني الذي يقوض بشكل كامل حل الدولتين.
السياق القانوني والسياسي والزخم الدولي
يأتي هذا الحراك التشريعي الأوروبي مدفوعاً بالرأي الاستشاري التاريخي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في لاهاي، والذي أكد على عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات، ودعا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى عدم تقديم أي عون أو مساعدة للاحتلال، والتمييز الواضح في معاملاتها بين إسرائيل والأراضي المحتلة.
وتقود دول مثل أيرلندا، وإسبانيا، وبلجيكا جهوداً حثيثة لترجمة القرارات الدولية إلى قوانين محلية ملزمة. ويرى مراقبون أن نجاح هذه الدول في تمرير تشريعات تجرم التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية سيشكل سابقة قانونية قد تشجع دولاً أوروبية أخرى على حذو حذوها، مما يضيق الخناق الاقتصادي على منظومة الاستيطان بشكل غير مسبوق.
التداعيات الاقتصادية والسياسية على الاحتلال
تتخوف الدوائر السياسية والاقتصادية في تل أبيب من التداعيات الكارثية لهذه القوانين في حال إقرارها بشكل رسمي. إذ إن تجريم الاستثمار والتجارة لن يقتصر ضرره على الشركات العاملة داخل المستوطنات فحسب، بل سيخلق حالة من الردع العام لدى الشركات الأوروبية الكبرى والبنوك وصناديق الاستثمار، مما يدفعها لقطع أي صلات تجارية مع منظومة الاقتصاد الإسرائيلي ككل خوفاً من الوقوع تحت طائلة الملاحقة الجنائية.
ختاماً، يمثل هذا التحول الأوروبي نحو الخيار الجنائي ضد الاستيطان صفعة قوية لجهود شرعنة المستوطنات، ويؤكد أن الساحة الدولية باتت أكثر استعداداً لاتخاذ إجراءات عقابية ملموسة تتجاوز بيانات القلق والإدانة اللفظية التقليدية وتحولها إلى قرارات قانونية نافذة.
