
في وقت تعيش فيه المنظومة الطبية بقطاع غزة أسوأ كارثة إنسانية عرفها التاريخ الحديث، تصدح الأصوات الحرة والمنظمات الدولية بضرورة تفعيل القوانين الدولية التي تؤكد على أن المستشفيات يجب أن تكون ملاذات آمنة للمرضى والنازحين والكوادر الطبية على حد سواء. إن المطالبة المستمرة بضرورة حماية المستشفيات لم تعد مجرد شعار حقوقي، بل هي مسألة حياة أو موت لآلاف الجرحى الذين يواجهون خطر الفقدان المستمر لأبسط مقومات العلاج والشفاء تحت وطأة الاستهداف المباشر والحصار الخانق.
واقع أليم: مرافق صحية تحت نير الاستهداف المباشر
على مدار الأشهر الماضية، شهد قطاع غزة تحول المرافق الطبية من مراكز لإنقاذ الأرواح إلى أهداف مباشرة للعمليات العسكرية. إن غياب حماية المستشفيات وتدمير بنيتها التحتية أدى إلى خروج معظم المستشفيات الحيوية عن الخدمة، مثل مجمع الشفاء الطبي ومستشفى ناصر ومستشفى كمال عدوان. لم يقتصر الأمر على تدمير الحجارة، بل امتد لقطع إمدادات الوقود، والأكسجين، والمستلزمات الطبية الأساسية، مما حول غرف العناية المركزة وحواضن الأطفال حديثي الولادة إلى مقابر جماعية صامتة بفعل الصمت الدولي المطبق.
القانون الدولي الإنساني وشعارات حماية المستشفيات
تنص اتفاقية جنيف الرابعة بشكل صريح على ضرورة تحييد المستشفيات المدنية وعدم جعلها هدفاً للهجمات بأي حال من الأحوال تحت أي ذريعة. ومع ذلك، فإن الواقع المرير في قطاع غزة يثبت عجز المجتمع الدولي وفشله في تطبيق هذه الاتفاقيات على الأرض. يتساءل الأطباء والناشطون الإنسانيون اليوم: أين تذهب القوانين الدولية عندما يتعرض الكادر الطبي للاعتقال والتعذيب والاستهداف المباشر أثناء تأدية واجبهم الإنساني؟ إن غياب الملاحقة الدولية والمساءلة القانونية يكرس لسياسة الإفلات من العقاب ويجعل من فكرة حماية المستشفيات مجرد حبر على ورق لا يغني ولا يسمن من جوع.
أبطال في خطوط النار الأمامية: الكوادر الطبية تصنع المعجزات
في خضم هذا الرعب والخراب، تبرز شجاعة لا مثيل لها يبديها الأطباء والممرضون والمسعفون في غزة. هؤلاء الأبطال، الذين يرتدون معاطفهم البيضاء الملطخة بدماء الأبرياء، يواصلون الليل بالنهار في ظروف غير إنسانية وبإمكانيات تقترب من الصفر لتضميد جراح الآلاف. إن توفير البيئة الآمنة وتفعيل حماية المستشفيات هي أبسط الحقوق التي ينبغي تقديمها لهؤلاء الأفراد الذين يضحون بحياتهم من أجل إنقاذ الآخرين، والذين باتوا يودعون زملائهم شهداءً تلو الآخر بقلوب يعصرها الألم وصمود لا يلين في وجه آلة الحرب.
نداء دولي عاجل للتحرك الفوري وإيقاف الكارثة
إن تكرار المطالبات والبيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر يجب أن يترجم فوراً إلى خطوات عملانية وضغوط حقيقية على الأرض. يتطلب الأمر حراكاً دولياً جاداً لفرض ممرات آمنة، وضمان دخول المساعدات الطبية والأدوية والوقود اللازم لتشغيل المولدات، ووقف كامل وفوري لكل أشكال الاستهداف الموجهة ضد الكوادر الطبية والمؤسسات الصحية. إن السكوت على تدمير القطاع الصحي في غزة هو مشاركة صامتة في إنهاء حياة الأبرياء، ويجب أن يدرك العالم اليوم قبل غدٍ أن شفاء غزة يبدأ من استعادة أمان مستشفياتها.
