
في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية المركبة التي يواجهها الشارع الفلسطيني، يبرز سجالٌ حيوي حول التوازن بين دعم القدرة الشرائية للمواطن والحفاظ على المقومات الأساسية للصمود الوطني على الأرض. وفي هذا السياق، وضع وزير الزراعة الفلسطيني، البروفيسور رزق سليمية، النقاط على الحروف كاشفاً عن التوجهات الاستراتيجية للوزارة في التعامل مع ملف أسعار اللحوم الحمراء وعلاقتها الوثيقة بحماية الأرض والوجود الفلسطيني.
معادلة صعبة وخيار استراتيجي
أكد البروفيسور سليمية أن الوزارة تقف أمام معادلة دقيقة وخيارين صعبين، بين خفض الأسعار لصالح المستهلك أو حماية المزارع وصموده. وأوضح أنه كان بإمكان الوزارة اتخاذ قرار سريع بفتح باب استيراد اللحوم، مما سيؤدي فوراً إلى خفض سعر كيلو اللحوم إلى نحو 50 شيقلاً، إلا أن هذه الخطوة -رغم جاذبيتها الفورية للمستهلك- ستحمل في طياتها نتائج كارثية، حيث ستدفع المزارع الفلسطيني إلى الاستسلام والتخلي النهائي عن مهنة تربية المواشي نتيجة عدم قدرته على المنافسة.
الثروة الحيوانية: خط الدفاع الأول ضد التمدد الاستيطاني
ولم يقتصر البُعد في موقف الوزارة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتد ليمسّ جوهر الصراع على الأرض. وأشار وزير الزراعة إلى أن قطاع الثروة الحيوانية في فلسطين يضم مئات آلاف رؤوس الأغنام، ويشكل مصدر الرزق الوحيد لعشرات آلاف الأسر الفلسطينية، خاصة تلك التي تقطن في مناطق الرعي المفتوحة والمهددة بشكل مباشر بمشاريع التوسع الاستيطاني.
وحذّر سليمية من أن تراجع المزارعين ومغادرتهم لتلك المناطق الرعوية سيتسبب في إخلائها بالكامل، مما يجعلها «لقمة سائغة أمام المستوطنين» للاستيلاء عليها وتثبيت وقائع جديدة على الأرض، مؤكداً أن الحفاظ على وجود المزارع في هذه المناطق يعد خط الدفاع الأول والأهم لحماية الجغرافيا الفلسطينية.
انحياز مطلق لحماية الوجود الوطني
وفي ختام تصريحاته، حسم وزير الزراعة موقف الوزارة بشكل قاطع لا يدع مجالاً للشك، موضحاً أن حماية القطاع الزراعي وتثبيت المواطن على أرضه يعلوان على أي اعتبارات مؤقتة. وشدد البروفيسور رزق سليمية على موقفه قائلاً: «أنا منحاز للمزارع الفلسطيني مهما وصل سعر كيلو اللحمة»، في إشارة واضحة إلى أن حماية الوجود الفلسطيني على الأرض وإسناد حراسها هما الخيار الأسمى والأولوية القصوى للمؤسسة الرسمية.