لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل مجرد تكهنات مستقبلية، بل أصبح واقعاً ملموساً تؤكده بيانات الاستخدام الفعلي. وفي هذا السياق، أطلقت منصة «كيك ريزومي» أداة تفاعلية مبتكرة تتيح للمستخدمين معرفة مدى تعرض مهنهم للذكاء الاصطناعي، ضمن قائمة ضخمة تشمل 756 مهنة تتنوع بين المحاسبة، البرمجة، الصحافة، والرعاية الصحية.

كيف تعمل أداة تقييم الوظائف؟

تعمد منصة «كيك ريزومي» إلى حساب نتائج دقيقة تعتمد في المقام الأول على بيانات «مؤشر أنثروبيك الاقتصادي». يرصد هذا المؤشر كيفية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام المرتبطة بالعمل، ويقوم بمطابقتها مع قاعدة بيانات الوظائف في نظام «أو نت» التابع لوزارة العمل الأميركية.

ولا تكتفي الأداة بذلك، بل تُخضع النتائج لتعديلات نسبية تصل إلى 25 بالمئة بناءً على مدى اعتماد المهنة على مهارات فريدة يصعب على الآلة محاكاتها، مثل: التفاعل الاجتماعي، والإبداع الفني، والقدرات اليدوية. الجدير بالذكر أن نحو 30 بالمئة من المهن التي تفتقر إلى بيانات كافية للاستخدام الفعلي، يتم تقييمها تقديرياً عبر الأبحاث، مما يعني أن النتائج تختلف في دقتها المباشرة.

البرمجة وخدمة العملاء في صدارة المهن المتأثرة

تُظهر بيانات «أنثروبيك» أن مبرمجي الكمبيوتر يتصدرون قائمة المهن الأكثر تأثراً بالذكاء الاصطناعي، حيث ظهرت هذه التقنيات في إنجاز مهام تمثل نحو 75 بالمئة من العمل المرصود لهم. وجاء موظفو خدمة العملاء ومدخلو البيانات في مرتبة متقدمة أيضاً بنسب تغطية بلغت 67 بالمئة.

مع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه النسب لا تعني أبداً أن 75 بالمئة من المبرمجين أو مدخلي البيانات سيواجهون خطر فقدان وظائفهم قريباً؛ فالأداة تعرض مثلاً درجة تأثير تبلغ 63 بالمئة لمدخلي البيانات وممثلي خدمة العملاء، وتتفاوت النسب بحسب اعتماد الوظيفة على اللمسة البشرية والتواصل المباشر.

المهام مقابل الوظائف: هل ستختفي وظيفتك؟

تكمن الأهمية القصوى لهذه البيانات في خلق وعي حقيقي بالفرق بين «وصول الذكاء الاصطناعي إلى بعض المهام» و«إلغاء الوظيفة برمتها». فالوظيفة الواحدة تتكون من حزمة متكاملة من المسؤوليات؛ قد تستطيع الآلة تنفيذ بعضها، بينما يظل الجزء الأكبر بحاجة ماسة للخبرة البشرية، والتحقق، واتخاذ القرار.

وتوضح شركة «أنثروبيك» أن بياناتها تقيس الاستخدام المرصود لنموذجها «كلود» فقط، ولا تعمم بالضرورة على كافة أنظمة الذكاء الاصطناعي. علاوة على ذلك، فإن القدرة التقنية وحدها لا تعني استبدال العاملين فوراً، إذ تحكم قرارات التوظيف عوامل أخرى حاسمة كالكلفة، والدقة، والمتطلبات القانونية، وطبيعة الثقة مع العملاء.

مستقبل العمل في ظل الثورة التكنولوجية

إن قراءة نتائج الأداة باعتبارها مؤشراً لاختفاء الوظائف تعد قراءة مضللة؛ والأرجح أنها خريطة طريق توضح المجالات المرشحة لإعادة هندسة طريقة العمل. ولم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟»، بل أصبح: «أي مهام داخل وظيفتي ستتغير، وما المهارات البشرية التي سأحتاج إلى تطويرها للبقاء في سوق العمل؟».

By newpal

اترك رد