تقف إسرائيل على أعتاب مرحلة تاريخية حاسمة مع اقتراب معركتها الانتخابية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026. ولعل الرهان الحقيقي في هذه الجولة لا يدور حول ملفات الصراع الإقليمي التقليدي أو العلاقات مع الجوار، بل يمتد إلى سؤال جوهري يمس هوية الدولة ذاتها: هل تستمر إسرائيل كـ”ديمقراطية ليبرالية” وفق الرؤية التي أُسست عليها عام 1948، أم تتجه بخطى متسارعة نحو نموذج “الحكم غير الليبرالي” الخاضع لتأثيرات التيار اليهودي الأرثوذكسي المتشدد؟

مشروع حكومة نتنياهو: إضعاف القضاء وتوسيع نفوذ الدين

منذ عودته إلى السلطة عام 2022 على رأس ائتلاف يجمع بين اليمين المتطرف وأحزاب “الحريديم” (اليهود المتشددين دينياً)، أحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحولاً حاداً في الخارطة السياسية الإسرائيلية. وتركز مشروع حكومته على تحقيق هدفين محوريين:

  • تقويض السلطة القضائية: استهدفت الخطة الإصلاحية المثرية للجدل، التي قادها وزير العدل ياريف ليفين، تقليص صلاحيات المحكمة العليا في الرقابة القضائية، وزيادة هيمنة السياسيين على تعيين القضاة، وهو ما أثار احتجاجات شعبية عارمة وتسبب في أزمات دستورية متعاقبة.
  • توسيع الحضور الديني والامتيازات: تعزيز نفوذ الدين في المجال العام، وتوفير دعم مالي وقانوني للمستوطنين في الضفة الغربية، إلى جانب محاولات تكريس إعفاء “الحريديم” من الخدمة العسكرية بموجب القانون.

تسييس المؤسسات الأمنية وتآكل الثقة العامة

بالتوازي مع التغييرات التشريعية، اتهمت أطراف عديدة الحكومة بالتغاضي عن تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وتصاعدت المخاوف مع جهود وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، لتسييس الشرطة وتحويلها إلى أداة تنفيذية لتوجهاته، مستهدفاً المتظاهرين المناهضين للحكومة، في حين سعى وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى فرض الرؤية ذاتها على المؤسسة العسكرية.

وانتهج نتنياهو أسلوباً سياسياً يهدف إلى نزع الشرعية عن المعارضة وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة التقليدية، مسجلاً مساراً يشبه إلى حد بعيد نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث تولى حلفاؤه ووزراؤه خوض المواجهات الإعلامية الأكثر شراسة لتصفية الخصوم السياسيين داخل حزب “الليكود” وخارجه.

أداء المعارضة الإسرائيلية: دفاع عن المؤسسات وفرص التغيير

على الرغم من إخفاق المعارضة البرلمانية -التي تضم أطيافاً من اليسار والوسط واليمين بالإضافة إلى الكتل العربية- في بلورة بديل سياسي متماسك أو تعطيل الأجندة التشريعية للحكومة، إلا أنها توحدت حول الدفاع عن استقلال القضاء، ورفض تسييس الجيش والشرطة، ومناهضة الامتيازات الممنوحة للحريديم.

ويبدو أن فرصة المعارضة في كبح هذا الانجراف السياسي أصبحت مرهونة بظهور قيادة جديدة قادرة على توحيد الشارع الإسرائيلي وإعادة بناء التوازن السياسي.

صعود غادي آيزنكوت: خيار المعارضة الجديد

بدأت معضلة القيادة داخل المعارضة تتلاشى مع الصعود المتزايد لرئيس أركان الجيش السابق، غادي آيزنكوت، في استطلاعات الرأي؛ حيث تقدم حزبه الجديد “يشار” لينافس حزب “الليكود” بفارق ضئيل. ويتمتع آيزنكوت بمقومات استثنائية تجعله مرشحاً بارزاً:

  • خلفية عسكرية واجتماعية قوية: يمنحه سجله العسكري ثقلاً كبيراً لدى الناخبين، فيما تساهم نشأته العمالية وأصوله المغاربية في جذب أصوات الفئات الشرقيين (المزراحيين) التي يصوت معظمها تاريخياً لصالح الليكود.
  • تعاطف شعبي وتوجه معتدل: كسب آيزنكوت تعاطفاً واسعاً بعد فقدانه نجله واثنين من أبناء إخوته في حرب غزة، ويُصنّف برنامجه السياسي بأنه أقرب إلى يسار الوسط المعتدل.

العقبات أمام إسقاط نتنياهو

رغم فرص آيزنكوت الملموسة، تظل هناك تحديات كبيرة تعترض طريق المعارضة نحو حسم الانتخابات:

  1. تقلبات الشارع السياسي: يعتمد جزء من شعبية آيزنكوت على مؤيدي اليمين المعتدل الذين قد يعودون إلى “الليكود”، خاصة مع مساعي نتنياهو لإعادة هيكلة قائمته الانتخابية ووعوده الجريئة بفرض التجنيد على الحريديم لاحتواء الغضب الشعبي.
  2. استبعاد الأحزاب العربية: يعود العائق الأكبر إلى تعهد آيزنكوت بقصر ائتلافه الحكومي على الأحزاب الصهيونية فقط، وروافضه التنسيق مع الأحزاب ذات الأغلبية العربية كشركاء محتملين، مما قد يحرمه من تحقيق أغلبيّة مريحة (61 مقعداً) لتشكيل الحكومة، ويفتح الباب مجدداً أمام استمرار نتنياهو في مقاليد الحكم.

By newpal

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *