تشهد المملكة المتحدة واحدة من أشد الأزمات المناخية في تاريخها الحديث، حيث ضربت البلاد موجة حر خامسة متتالية، مما تسبب في أضرار بالغة بالبنية التحتية، وانقطاع المياه عن آلاف المنازل، بالإضافة إلى اشتعال حرائق غابات واسعة وإعلان حالة الطوارئ الصحية والخدمية في مناطق عدة.
أزمة مياه حادة وتضرر آلاف المنازل في لندن وإيسيكس
أعلنت شركة Thames Water عن تأثر 14 رمزا بريدياً في مناطق شرق لندن وإيسيكس بسبب انفجار أنابيب المياه الرئيسية جراء درجات الحرارة المرتفعة. وتشير تقديرات هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) إلى أن أكثر من 10,000 منزل ومؤسسة تجارية قد تُركت بدون مياه أو تعاني من ضعف شديد في ضخ المياه.
وقالت الشركة إن فرق الصيانة تعمل في ظروف جوية شاقة لإصلاح الكسور المتعددة، مشيرة إلى أن أعمال الحفر تتطلب وقتاً أطول من المعتاد. وقد تم فتح محطات لتوزيع المياه في مناطق مثل “إيلفورد” و”تشيغويل” لتزويد السكان بالمياه الأساسية.
اتساع نطاق الجفاف وفرض قيود على الاستهلاك
دخل نحو 45 مليون شخص في بريطانيا تحت ظروف الجفاف، حيث أعلنت “مجموعة الجفاف الوطنية” أن 71.3% من مساحة إنجلترا تعاني حالياً من “جفاف خاطف” (Flash Drought). وفي هذا السياق، تقدمت شركة Southern Water بطلب للحصول على أمل حظر استخدام المياه لغير الأغراض الضرورية، وهو إجراء استثنائي لم يُطبق منذ عام 2006، ويتوقع أن يؤثر بشكل مباشر على 165 ألف شخص في منطقة جنوب غرب ساوثهامبتون وجزيرة وايت.
حرائق الغابات تستنزف قدرات فرق الإطفاء
أظهرت البيانات الرسمية أن شهر يوليو الماضي كان الأكثر ازدحاماً على الإطلاق بالنسبة لفرق الإطفاء، حيث تعاملت مع 458 حريق غابات. واستمر التصاعد في أغسطس، إذ سجلت الأيام العشرة الأولى منه أكثر من 185 حريقاً، أبرزها حريق ضخم في منطقة “نيو فورست” استمر لثلاثة أيام متواصلة، وحرائق أخرى بالقرب من “مانسفيلد”.
من جانبه، حذر اتحاد نقابات الإطفاء (FBU) من أن الصيف الحالي يشهد حرائق غير مسبوقة وشدد على أن حماية البلاد تتطلب استثماراً عاجلاً، مشيراً إلى نقص قدره 12,000 إطفائي مقارنة بعام 2010، في وقت ارتفعت فيه بلاغات الطوارئ لفرق إطفاء لندن بنسبة تقارب الثلث.
تحذيرات صحية واضطراب في حركة القطارات
أصدر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني (Met Office) بالتنسيق مع وكالة أمن الصحة (UKHSA) تحذيراً صحياً من الدرجة البرتقالية (Amber Heat Alert) يشمل جميع أنحاء إنجلترا، وسط توقعات بتسجيل درجات حرارة تصل إلى 38 درجة مئوية، وهو ما يجعل هذا الصيف الأكثر سخونة في تاريخ السجلات المناخية للبلاد.
وأسفرت هذه الارتفاعات القياسية عن اضطرابات في خدمات النقل، حيث أعلنت شركة East Midlands Railway (EMR) عن تعليق عدد من رحلات القطارات الإقليمية بين شيفيلد وليفربول، وبين نوتينغهام وليستر، لحماية سلامة السكك الحديدية والبنية التحتية من التلف الحراري.
دعوات لإعادة هيكلة القطاع الزراعي وسياسات المناخ
أكدت شبكة الزراعة الصديقة للطبيعة (NFFN) أن الحلول قصيرة المدى لم تعد كافية لمواجهة التغيرات المناخية المتطرفة. ودعت الشبكة الحكومة البريطانية والقطاع الخاص إلى تقديم دعم مالي لإعادة هيكلة الأراضي الزراعية، والتركيز على تحسين جودة التربة لتصبح أكثر قدرة على امتصاص المياه والتخزين، وإنشاء برك وخزانات مائية لمواجهة فترات الجفاف الطويلة.
وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء من جديد على البطء في تنفيذ التعهدات المناخية الدولية، حيث تشير تقارير خبراء المناخ إلى أن نسبة ضئيلة فقط من الالتزامات العالمية بالوصول إلى “الصفر الحيادي” تمتلك خططاً تنفيذية حقيقية وفعالة على الأرض.