
تواجه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى صياغة اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار ورسم ملامح “اليوم التالي” للحرب في قطاع غزة عقبات جوهرية تهدد بإفشال مساعي الوسطاء الإقليميين والدوليين. ورغم استمرار المشاورات خلف الكواليس، إلا أن الشياطين الكامنة في التفاصيل الأمنية والإدارية لا تزال تحول دون إحداث خرق حقيقي وجدي في جدار الأزمة المعقدة.
أزمة المعابر وتدريب الشرطة: تفاصيل الخلاف الإداري والأمني
تتصدر قضية إدارة المنافذ والحدود واجهة نقاط التعطيل في المفاوضات الجارية؛ حيث يبرز ملف إعادة فتح معبر “إيرز” (بيت حانون) شمال القطاع كأحد الشروط الأساسية لتسهيل حركة الأفراد والمساعدات الإنسانية بطريقة مستدامة، وهو ما يواجه باشتراطات أمنية إسرائيلية معقدة. بالتوازي مع ذلك، تبرز معضلة تدريب وإعداد قوة الشرطة الفلسطينية المحلية في غزة، والتي من المفترض أن تتولى حفظ الأمن الداخلي؛ إذ تختلف الأطراف حول الجهة الإقليمية أو الدولية المخولة بالإشراف على عمليات التدريب والتمويل، والجهة السياسية التي ستتبع لها هذه القوات في المرحلة الانتقالية.
قوة الاستقرار الدولية: سيادة فلسطينية أم وصاية أمنية؟
نقطة خلافية أخرى بالغة الحساسية تتمثل في مقترح إدخال “قوة استقرار دولية” إلى قطاع غزة للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق وحفظ الأمن على الحدود. وبينما ترى أطراف دولية في هذه الخطوة ضمانة لعدم تجدد الصراع وتوفير بيئة آمنة لإعادة الإعمار، تنظر إليها فصائل فلسطينية بعين الريبة والتوجس، معتبرة إياها شكلاً من أشكال الوصاية الخارجية التي قد تنتقص من السيادة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن الخلاف حول هوية الدول المشاركة في هذه القوات وطبيعة تفويضها العسكري والأمني.
معضلة الترتيب: نزع السلاح مقابل الانسحاب الإسرائيلي
تبقى العقبة الأكثر تعقيداً متمثلة في الترتيب الزمني والربط بين بندين مصيريين: نزع سلاح حركة حماس والانسحاب العسكري الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة. وتصر الحكومة الإسرائيلية على ضرورة البدء بخطوات عملية وملموسة لنزع سلاح الفصائل وتفكيك بنيتها العسكرية كشرط مسبق للانسحاب وتخفيف القيود الأمنية. في المقابل، ترفض حماس هذا الطرح جملة وتفصيلاً، متمسكة بوجوب إنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل والشامل من كافة مناطق القطاع -بما فيها محور فيلادلفيا وممر نتساريم- ووقف العدوان بشكل تام، قبل الدخول في أي نقاشات تتعلق بالترتيبات الأمنية بعيدة المدى وسلاح المقاومة.
إن هذا الاستعصاء السياسي والأمني يضع غزة أمام سيناريوهات مفتوحة، حيث يرى مراقبون أن غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتقديم تنازلات متبادلة قد يبقي هذه الملفات معلقة، مما يهدد باستمرار دوامة العنف وتأخير عمليات الإغاثة الإنسانية العاجلة وإعادة الإعمار التي ينتظرها مئات الآلاف من النازحين في القطاع.
