المثلث الفلسطيني الصعب: جبريل الرجوب يرسم ملامح الشرعية بين صندوق الاقتراع ورفض “الوصاية” الخارجية

في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً وحساسية، جاءت تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، الفريق جبريل الرجوب، لتلقي حجراً ثقيلاً في مياه السياسة الفلسطينية الراكدة. تصريحات الرجوب لم تكن مجرد مراجعة نقدية لقرارات سابقة، بل جاءت بمثابة إعادة ترسيم لخطوط حمراء وطنية، ورفض مطلق لأي سيناريوهات تُطبخ في العواصم الإقليمية أو الدولية لمستقبل الحكم في فلسطين.
مراجعة شجاعة: اعتراف بمرارة قرار 2021
أولى النقاط المثيرة للاهتمام في حديث الرجوب هي الاعتراف الصريح بإلغاء انتخابات عام 2021 بعد أن قطعت الفصائل الفلسطينية شوطاً طويلاً في التوافق عليها. هذا الاعتراف يحمل في طياته إقراراً بأن غياب الانتخابات قد عمّق أزمة الشرعية داخل النظام السياسي الفلسطيني. ورغم المبررات التي سيقت آنذاك، يضع الرجوب اليوم يده على الجرح قائلاً: “لا يمكن إجراء انتخابات دون إرادة وتوافق وطني”. هذه القراءة تشير إلى قناعة راسخة بأن أي خطوة انفرادية في المشهد الفلسطيني محكوم عليها بالفشل، وأن الشراكة هي الممر الإجباري الوحيد نحو المستقبل.
مثلث النجاة: وحدة، إصلاح، وتجديد الشرعية
لم يكتفِ الرجوب بتشخيص الداء، بل قدّم وصفة سياسية لخصها في “مثلث استراتيجي” لا يمكن تجزئة أضلاعه: الوحدة الوطنية، الإصلاحات الشاملة، وتجديد شرعية النظام السياسي عبر الديمقراطية وصندوق الاقتراع. هذا الطرح يمثل رؤية تيار عريض داخل حركة فتح يرى أن مواجهة التحديات الوجودية التي تفرضها آلة الحرب الإسرائيلية والمخططات التصفوية، لا يمكن صدها بنظام سياسي متآكل الشرعية أو منقسم على نفسه. الإصلاح هنا ليس ترفاً، وتجديد الشرعية عبر الانتخابات هو طوق النجاة الوحيد لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية على أسس ديمقراطية متينة.
السيادة الوطنية: لا “مندوب سامي” ولا “توريث”
لعل الجزء الأكثر إثارة وتداولاً في حديث القيادي الفتحاوي هو استخدامه للغة شعبية حاسمة ومباشرة لرفض التدخلات الخارجية. عبارات مثل “لا فيه توريث ولا فيه مندوب سامي ولا بدنا ميلاد نوف ولا بدنا بطيخ”، تعكس غضباً عارماً ورفضاً قاطعاً لمحاولات فرض قيادات أو مسارات سياسية من الخارج “بالمظلات”.
الرجوب هنا يوجه رسالة واضحة لكل الأطراف الدولية والإقليمية التي تبحث عن ترتيبات لـ “اليوم التالي” للحرب في قطاع غزة والضفة الغربية؛ الرسالة مفادها أن القيادة الفلسطينية لا تُعين بقرار خارجي، ولا تُورث كتركة عائلية، وأن عهد “المندوب السامي” قد ولى بلا رجعة. الإشارة إلى شخصيات أو كيانات مستوردة من الخارج كخيارات بديلة هي محاولات يائسة ستصطدم بصخرة الإرادة الشعبية الفلسطينية.
صندوق الاقتراع هو الفيصل
في نهاية المطاف، يعيد جبريل الرجوب الاعتبار للقاعدة الذهبية للعمل الديمقراطي: “الطريق إلى الحكم فقط عبر صندوق الاقتراع”. هذه الكلمات تضع الجميع -سواء في فتح أو حماس أو بقية الفصائل- أمام مسؤولياتهم التاريخية. فالشعب الفلسطيني الذي يسطر ملاحم من الصمود هو صاحب الحق الحصري والوحيد في اختيار قيادته وتحديد ملامح دولته المستقبلية. وأي محاولة للالتفاف على هذا الحق، تحت أي مبرر أو غطاء دولي، لن تؤدي إلا إلى مزيد من التشرذم والضعف.